الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

116

تبصرة الفقهاء

قلت : لو سلّم ما ذكر فإنّما يفيد وجوب توطين النفس على أداء الواجب بعد حصول وجوبه ، ولا يستلزم ذلك وجوب التلبّس بشيء من مقدماته قبل فعليّة الوجوب ، بل إنّما يراعى فيه حال تعلق الوجوب ، فإن كان باقيا فيه على صفات التكليف تعلّق الوجوب ، وإلّا فلا تكليف . وما ذكر من قضاء العرف والعقل بوجوب المقدمة في مثله قبل وجوب الفعل مدفوع ، بأن وجوب الفعل في وقته مشروط قطعا بالتمكّن منه ، فإن كان وقت الوجوب متمكّنا من الفعل يشمله الخطاب ، وإلّا لم يتعلّق به . وحينئذ فلا دليل على وجوب جعل الانسان نفسه من المشمولين للخطاب ، فعلى هذا من علم أنّه لا يتمكّن في الوقت من الطهارة المائية أو غيرها أيضا لا يجب عليه تقديم الوضوء ، بل ويجوز له إهراق الماء المملوك له أيضا . ومن الغريب ما ذكره صاحب الحدائق « 1 » من وجوب الوضوء قبل الوقت ؛ نظرا إلى توقف الفعل عليه في أوّله . وقد اشتمل النصّ الصحيح على تعليق وجوبه بدخول الوقت . وفيه أيضا دلالة على ما قلناه . والتحقيق في المقام أن يقال بالفرق بين ما توجّه الخطاب إلى المكلّف فعلا وإن كان المطلوب إيقاعه في زمان معيّن ، وما لم يتوجّه به خطاب أصلا قبل مجيء زمان الفعل ، فالأوّل يجب تقديم مقدمته لوجوب الفعل عليه وإن لم يحضر زمان فعله كالحج ، والثاني إنّما يجب مقدمته بعد مجيء زمان الفعل وتوجّه الخطاب . فالصوم من القبيل الأوّل بخلاف الصلاة ؛ لظاهر النصّ المذكور وغيره ، فليس وجوب المقدمة فيما ذكرنا مسقطا عن وجوب ذي المقدمة ، غاية الأمر أن يكون وجوبها في زمان لا يصحّ فيها إيقاع ذيها ، ولا مانع منه بوجه ؛ إذ ما دلّ على وجوب المقدمة يدلّ عليه في الصورتين .

--> ( 1 ) الحدائق الناضرة 2 / 128 .